الشيخ محمد حسن المظفر

26

الإمام الصادق ( ع )

وتأمّل قوله في نعتها ونعت ذويها : " كم من طالب للدنيا لم يدركها ، ومدرك لها قد فارقها ، فلا يشغلنّك طلبها عن عملك ، والتمسها من مُعطيها ومالكها ، فكم من حريص على الدنيا قد صرعَته ، واشتغل بما أدرك منها عن طلب آخرته حتّى فُني عمره وأدركه أجله " ( 3 ) . وما أصدق قوله في تحليلها وأطوار الناس فيها : " ما الدنيا وما عسى أن تكون ، هل الدنيا إِلا اكل اكلته ، أو ثوب لبسته ، أو مركب ركبته ، إِن المؤمنين لم يطمئنوا في الدنيا ولم يأمنوا قدوم الآخرة ، دار الدنيا دار زوال ، ودار الآخرة دار قرار ، أهل الدنيا أهل غفلة ، إِن أهل التقوى أخفّ أهل الدنيا مؤونة وأكثرهم معونة ، إِن نسيت ذكّروك ، وإِن ذكّروك أعلموك ، فانزل الدنيا كمنزلٍ نزلته فارتحلت عنه ، أو كمالٍ أصبته في منامك فاستيقظت وليس في يدك شيء منه ، فكم من حريص على أمر قد شقي به حين أتاه ، وكم من تارك لأمر قد سعد به حين أتاه " ( 1 ) . وانتبه إلى قوله عليه السلام : " ما أنزلت الدنيا من نفسي إِلا بمنزلة الميتة ، إذا اضطررت إليها اكلت منها ، إِن اللّه تبارك وتعالى علم ما العباد عاملون والى ما هم إليه صائرون ، فحلم عنهم عند أعمالهم السيّئة لعلمه السابق فيهم ، فلا يغرّنك حسن الطلب ممّن لا يخاف الفوت " ثمّ تلا قوله تعالى : " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوّاً في الأرض ولا فساداً " ( 2 ) وجعل يبكي ويقول : " ذهبَت واللّه الأماني عند هذه الآية " ثمّ قال عليه السلام : " فاز واللّه الأبرار ، الذين لا يؤذون الذر ، كفى بخشية اللّه علماً ، وكفى بالاغترار

--> ( 3 ) إرشاد الشيخ المفيد طاب ثراه في أحوال الصادق عليه السلام . ( 1 ) تحف العقول للحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحراني الحلبي الفقيه الجليل : ص 208 . ( 2 ) القصص : 83 .